اسد حيدر
29
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
مقامه ، وليس بمستطاع لأي أحد أن يأتينا برواية للإمام الصّادق في سندها أحد أولئك القوم . التنبيه الثاني : تلامذة الإمام ومركزية الكوفة : إذا أردنا أن نرسل نظرة إحصاء لتلامذة الإمام الصّادق عليه السّلام من حيث البلدان النائية التي ينتسبون إليها فسنجد الكوفيين أكثرهم عددا ! ! ! وعلى وجه التقريب : يكون عددهم قد يتجاوز الألف . وعكسها الشام فإن عدد تلامذته المنتسبين إليها لا يتجاوز العشرة ! ! ! وأسباب ذلك ربما تعود للنزعة التي يتصف بها كل من البلدين . فالكوفة كانت تناصر أهل البيت عليه السّلام وتتشيّع لهم ، والشام على عكس ذلك . وبهذا أصبحت الكوفة محل اهتمام الخلفاء الذين يجعلون من أهل البيت خصوما ويعتقدون بأنه لا يستقر أمر الخلافة ما لم يتخذوا لها التدابير للقضاء على نشاطهم العلمي والسياسي . لذلك نجد الدولة الأموية تهتم بأمر الكوفة وتحاول إخضاعها بالقوة عندما تعيّن ولاة لا رحمة في قلوبهم ، ولا وازع دين يردعهم عن الفتك وإراقة الدماء كالحجاج ، وزياد ، وعبيد اللّه بن زياد ، وخالد القسري . وكذا العباسيون اتخذوها مركزا للخلافة ، لتكون تحت مراقبة الخليفة مباشرة . . . هذا من جهة . ومن جهة أخرى : إن الكوفة كانت مركزا تجاريا وصناعيا ملحوظا في حياة المجتمع الإسلامي في القرن الأول الهجري ، وازدهرت فيها صناعة المنسوجات الحريرية ، وهي ما سمّوها عمل الوشي والخز . وكانت هذه المصنوعات تلقى رواجا في الأقطار الإسلامية « 1 » وكانت محاطة بقرى كثيرة وفيها من غير المسلمين عدد كبير ، كالنصرانية في الحيرة وغيرها ، ووفد عليها أربعة آلاف من رعايا الفرس عرفوا بحمراء الديلم « 2 » . وقد كثرت الهجرة إلى الكوفة من ذوي العقائد المتباينة ، واختلطوا بمجتمع الكوفة وكان أكثر هؤلاء يترقبون الفرص للفتك بالمسلمين ، انتصارا لدياناتهم التي قضى عليها الإسلام . ثم زخرت الكوفة بالموالي ، فكان لهم أثر محسوس في تطور الحياة الاجتماعية وبهذا أصبحت الكوفة تموج بعناصر مختلفة ، لا تتحد في الرأي ، ولا تتفق في
--> ( 1 ) الأغاني ج 2 ص 173 . ( 2 ) البلاذري في فتوح البلدان ص 289 .